علي محمد علي دخيل
94
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الترغيب في الطاعة ، والترهيب عن المعصية ، ثم حثّ سبحانه على الجهاد ، وبيّن أن الشهادة خير من أموال الدنيا المستفادة بأن قال : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ أيها المؤمنون فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في الجهاد أَوْ مُتُّمْ قاصدين مجاهدة الكفار استوجبتم لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ والمغفرة : الصفح عن الذنوب ، والرحمة : الثواب والجنة ، وهاتان خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من الأموال والمقاصد الدنيوية ، وهذا يتضمن تعزية المؤمنين وتسليتهم عما أصابهم في سبيل اللّه ، وفيه تقوية لقلوبهم ، وتهوين للموت والقتل عليهم ثم قال : وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ أي سواء متم أو قتلتم فإن مرجعكم إلى اللّه فيجزي كلا منكم كما يستحقه ، المحسن على إحسانه ، والمسئ على إساءته . 159 - ثم بين سبحانه أن مساهلة النبي ( ص ) إياهم ، ومجاوزته عنهم من رحمته تعالى حيث جعله لين العطف حسن الخلق فَبِما رَحْمَةٍ أي فبرحمة مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ معناه : ان لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين لأنك تأتيهم مع سجاحة أخلاقك ، وكرم سجيتك بالحجج والبراهين وَلَوْ كُنْتَ يا محمد فَظًّا أي جافيا سيئ الخلق غَلِيظَ الْقَلْبِ أي قاسي الفؤاد غير ذي رحمة ولا رأفة لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أي لتفرق أصحابك عنك ، ونفروا منك فَاعْفُ عَنْهُمْ فرارهم من أحد وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ من ذلك الذنب وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أي استخرج آراءهم ، واعلم ما عندهم ، فائدة مشاورته إياهم مع استغنائه بالوحي لتقتدي به أمته في المشاورة ولم يروها نقيصة كما مدحوا بأن أمرهم شورى بينهم ، عن سفيان بن عيينة فَإِذا عَزَمْتَ أي فإذا عقدت قلبك على الفعل وامضائه فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي فاعتمد على اللّه ، وثق به ، وفوّض أمرك إليه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ يعني الواثقين به ، والمعتمدين عليه ، والمنقطعين إليه ، الواكلين أمرهم إلى لطفه وتدبيره . 160 - إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ على من ناوأكم فَلا غالِبَ لَكُمْ أي فلا يقدر أحد على غلبتكم ، وإن كثر عدد من يناوئكم وقلّ عددكم وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ أي يمنعكم معونته ، ويخلّ بينكم وبين أعدائكم بمعصيتكم إياه فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ المعنى : انه لا ناصر لكم ينصركم بعد خذلان اللّه إياكم وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ظاهر المراد ، وتضمنت الآية الترغيب في طاعة اللّه التي يستحق بها النصرة ، والتحذير من معصية اللّه التي يستحق بها الخذلان ، مع إيجاب التوكل عليه . 161 - لمّا قدم تعالى أمر الجهاد ، وذكر بعده ما يتعلق به من حديث الغنائم ، والنهي عن الخيانة فيها فقال : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وتقديره : وما كان لنبي الغلول ، أي لا تجتمع النبوة والخيانة وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ معناه : أنه يواف بما غلّ يوم القيامة ، فيكون حمل غلوله على عنقه إمارة يعرف بها ، وذلك حكم اللّه في كل من وافى القيامة بمعصية لم يتب منها ، أو أراد اللّه تعالى أن يعامله بالعدل ، أظهر عليه من معصيته علامة تليق بمعصيته ليعلمه أهل القيامة بها ، ويعلموا سبب استحقاقه العقوبة كما قال تعالى : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ، وهكذا حكمه في كل من وافى القيامة بطاعة فإنه يظهر من طاعته علامة يعرف بها ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي يعطي كل نفس جزاء ما عملت تامّا وافيا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي لا ينقص أحد مقدار ما يستحقه من الثواب ، ولا يزاد أحد عن مقدار ما استحقه من العذاب .